تتعدد شِعارات ووعود الحملات الانتخابية، تبشّر الناخب بوطن موعود، حداثي، متطور، خال من المديونية، نظيف، ومكتمل الخدمات والرفاهية.. فقط إذا تمّ انتخاب هذا الحزب أو تلك اللائحة.
يعلم مطلقوا الوعود الانتخابية جيداً أن ما يعدون به بعيد المنال وصعب التحقق، لأسباب كثيرة وعديدة ومتداخلة، لكن الطبع اللبناني يأبى أن يتحدث على قدر استطاعته فيفيض وعوداً وتوزيع أحلام وإطلاق مواقف وشعارات تبدأ من: حماية البلد، وصون الاستقرار، واستعادة الدولة، وإنقاذ الدستور، ورفض التدخل، والوقوف مع المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها، وتمر بانجاز المطارات، والاتصالات والمشاريع والمستشفيات والجامعات والمساكن، وتوفير فرص العمل.. ولا تنتهي عند التزام الشفافية، ورفض المحسوبيات، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية والصحية والتعليمية لكل فرد من أفراد المجتمع من أقصى البلاد إلى أقصاها، فإذا ما نضبت القرائح وانتهت الأفكار اندفع هؤلاء نحو الأساطير والغيبيات وكل ما من شأنه أن يحنّن قلب الناخب.. المرشح “سوبرمان” تارة، و”مولانا” تارة أخرى.. خبير سياسات وتنمية هنا، ورجل دولة وسيادة هناك.. سمسار وتاجر في مكان وداعية إصلاح ونزاهة في مكان آخر.
هذه هي الحال، أطنان من الوعود التي تستوعب كل شيء، وتضع حلولاً لكل المشاكل والهموم، ولا تترك شاردة أو واردة إلا ويحسب لها عقل الخبير الانتخابي حساباً مدروساً. من يسمع الوعود والشعارات الانتخابية، يدرك “طيبة” مجتمعنا وعدم تمرسّه على فكرة المحاسبة في صناديق الاقتراع. هل حصل أن تحقق وعد انتخابي منذ الاستقلال إلى اليوم، ليس هذا فحسب، المأساة أن بعض الوعود من النوع غير القابل للتحقق أصلاً!! وصعوبة تحقيقها ليس لأنها معجزات عجائبية، فبعضها في حقيقته من أبسط أبسط حقوق المواطن ومن أولى واجبات أي سلطة، بل لأن الحياة السياسية في لبنان وإدارة الشأن العام ترتكز إلى تسويات متداخلة تجعل من المستحيل أن ينفرد تيار أو حزب أو أكثر بإدارة الشأن العام، هذا إن صدقت نوايا الواعدين بالانجاز، وبعضها الآخر يحتاج سنوات قد تفوق الولاية الدستورية المفترضة لولاية المجلس النيابي، وهذا يؤكد أن إطلاق هذه الوعود لا يعدو كونه بروباغندا للترويج والاستقطاب ليس أكثر.
والعجائب الانتخابية لا تقف عند الشعارات، فالزمن الانتخابي يستحضر مفردات من مثل: الخيانة والغدر، والتسوية، والصفقات، التي لا تترك ملفاً ولا قضية إلا وتسعى للإفادة منها، هنا يمكن التراشق بالبواخر، أو بالنووي الايراني، ويمكن أن يترشح الولد ضد أبيه، والأخ بمواجهة أخيه، وأن يتخلّ الحليف عن حليفه، ويتحالف الخصم مع ضدّه!!
وبالتوازي مع الصورة الانتخابية وشعاراتها وخياراتها وكواليسها وأقبيتها، ومعاييرها العائلية والمالية، ومبادئها ومصالحها الظرفية، وحساباتها ترشحاً وانكفاء وتحالفاً وتصويتاً.. ثمة صورة سوداوية للدولة، بمؤسساتها وأجهزتها وماليتها العامة ومديونيتها، سوداوية جداً، بشكل لا تنفع كل الشعارات في معالجته ووقف تدهوره. التنمية والتزام النزاهة وتفعيل المؤسسات واحترام الدستور ومحاربة الفساد ووقف التدهور لا تحتاج لمواسم انتخابية أو وعود تختفي مع إغلاق صناديق الاقتراع، وقبل كل ذلك هي إحدى نتائج العلاقة التفاعلية والتبادلية بين الناخب ومن ينتخبه، وهذا يعني فيما يعنيه أن هناك رجال دولة، وصادقون، وأصحاب رؤى ورجالات تشرف بها المواقع والمجالس، وبهم تصان الأوطان وتحفظ، ومعهم يصل الصوت ويكون فاعلاً.
بكل الأحوال الانتخابات قريبة ومن المفروض أن الشعب سيحاسب كل من خانه.. ومن كذب عليه، ومن باعه وعوداً واشترى بها كرسي النيابة.
احمد الزعبي
from تحقيقات – ملفات – wakalanews.com http://ift.tt/2FOmjWu
via IFTTT
0 comments: