
“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح
حتّى ساعة كتابة هذه الكلمات، لا أجواء إيجابية توحي بإنجاز اتفاق بين الكتل السياسية يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة، بل إن ما يتسرّب من بين الجدران، يظهر أنه حتى أصل الاتفاق على الحكومة غير متوفر بعد، بسبب تشابك وتداخل بين عدة عناصر وبين ما هو داخلي و ما هو خارجي، وطغيان منطق “الأنا” الذي حلّ مكان الحلول السياسية.
كل الاجتماعات التي عقدت خلال الأسبوع الماضي وحتّى تلك التي أجريت من خلف الكواليس نهاية الاسبوع لم تفضِ إلى شيء. ما زالت مجموعة العقد الحكومية تدور بين الخلاف على إسم الرئيس العتيد ثم شكل تقسيم الحكومة وزارياً ومن ثم طبيعة برنامجها وبيانها والأهداف المرجوّة منها، والطارئ أن البعض باتَ يرى ضرورةً في الربط بين مصيره السياسي ومصير الحكومة العتيدة، من بوابة الحفاظ على حضوره داخل السلطة ومنع التفريط بأي مكتسب حققه خلال الفترة الماضية، متجاهلاً أنه اصلاً قد خسر الكثير من بريقه السياسي.
على أي حال، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بصفته الأوفر حظاً لتولي رئاسة الحكومة، ما زال يجهد من أجل تأمين أمرين، اولهما غطاء سعودي والآخر غطاء داخلي لدوره.
الأمر الأول ليس في المتناول بعد، وهذا مردّه إلى تجميد السعودية أدوارها السياسية المباشرة في لبنان منذ الانتخابات النيابية الماضية، ما خلا الادوار “غير المباشرة” التي تولت تأديتها عبر أكثر من طرف سياسي. تعويل الحريري الحالي حول قدرات الدورين الفرنسي والاميركي في إقناع السعودية بمنح تفويضها له مجدداً، لكن له ثمنه، وحتى يصل إلى هذه الدرجة عليه نيل مكاسب من الاطراف السياسية الباقية تسهل له مهمته، هذا بالضبط ما يبحث عنه.
فالقواتيون لا يتقبلون فكرة تبني الحريري لكونه مرشحاً من قبل الثنائي الشيعي، بينما الاشتراكيون ينتظرون ما ستسفر عنه جهود الحريري مع الغرب حتّى يبنون على الشيء مقتضاه، فيما الأخير ما زال يحاول تحصيل “امتيازات سياسية” من “الثنائي الشيعي” تمكّنه من طلب التدخل من قبل الثنائي الأميركي – الفرنسي لدى السعودي. في الأخير، يعلم الجميع بمن فيهم الحريري والفرنسيون وسائر الاطراف، ان لدى الأميركي القدرة على تغيير وجهة النظر السعودية فيما لو أراد ذلك، لكنه يترك الحريري يحاول تحصيل ما تيسر من مكتسبات!
الأمر الآخر الذي يريده الحريري، هو تغطية داخلية كاملة لتوليه رئاسة مجلس الوزراء، وهذا مطلوب ليس فقط من القواتيين والاشتراكيين بحكم ان الثنائي الشيعي قال كلمته، بل مطلوب تحديداً من التيار الوطني الحر، الذي وبدون الوصول إلى تفاهمات مع الحريري لن يكون بمقدور الأخير تشكيل حكومة، ولن يكون في مقدور التيار المشاركة حتّى ولو تحت أسماء “تكنوقراطية”.
كل هذه الامور العالقة بحثت في الاجتماعات الاخيرة التي خيضت بين المراجع على اكثر من مستوى. اتضح ان رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل يرفض أي عودة للحريري في ظل المواقف عالية السقف التي أعلنت سابقاً وحالياً، وبالتالي باتت القضية بالنسبة إلى باسيل “قضية تأخذ بعداً شخصياً بإمتياز”، من الصعب العودة عنها من دون مخارج مقبولة.
الحريري بالنسبة إليه، أبلغ أصحاب المساعي بأنه ليس في وارد تشكيل حكومة مشابهة لتلك التي اُسقطت أو التي كان يرأسها وسقطت، وهو لديه قائمة شروط تتصل حتّى بهوية الحكومة وشكلها الهندسي، وشرطه أن يجري تفهم ما يطلب أو هو ليس في وارد قبول المهمة. في المقابل، يرفض الحريري حتّى تسمية شخصية قريبة منه فيما لو ذهبت هذه المرة صوب إنتزاع التفويض الحالي منه، وهذا ينحسب على نادي رؤساء الحكومات السابقين، الذي ابلغ إلى الحريري عدم وجود مرشح لديه او رغبة لدى أحد من الأعضاء في قبول المهمة في حال عرضها عليه. هذا كله يفسر على انه نوع من انواع الضغط لفرض شروط الحريري وتمريرها كما هي.
ثمة أمر آخر تكشفه مصادر مواكبة للاتصالات لـ”ليبانون ديبايت”، حيث اتضح ان التباين انسحب ايضاً على “الورقة الفرنسية” التي قيل إنها عبارة عن “طروحات واقعية تسهم في تأمين تشكيل حكومة متجانسة ومنتجة”. هذه الورقة بحثت في قائمة الاجتماعات واللقاءات التي حصلت مؤخراً، لكن لم تلقَ إتفاقاً واضحاً او رؤية واضحة حولها، وهي تقدم صورة عن الحكومة المطلوبة دولياً من خارج لعبة الاسماء. اذاً الامور مقفلة الى درجة كبيرة، والفرنسيون مربكون من جراء التلاعب السياسي اللبناني بينما الاميركيون وضعوا شروطهم ومشوا: “حكومة مختلفة عن المعهود بتمثيل مقبول لحزب الله”، قالها ديفيد هيل.
الفرنسيون تحديداً، الذين يصنفون من بين أصحاب المصلحة في إعلان تشكيلة قريبة، كانوا أكثر وضوحاً بإشتراطهم أن يكون لهم وللأميركيين حق الشراكة في الاطلاع على من سيتمثل على مجموعة من الوزارات الخدماتية المرتبطة بعملية الإصلاح المطلوبة. حجتهم في ذلك توفير ظروف منح المساعدة إلى لبنان وتسريعها، وهو امر تجد به بعض الاطراف الاخرى نوع من أنواع الوصاية السياسية على عدد من الوزارات.
وبينما لم يصدر إعلان نوايا بعد، لا حول الورقة الفرنسية ولا حول شكل الحكومة، رجحت مصادر ان يطير التشكيل في ظل الانكماش السياسي الحاصل إلى ما بعد أيلول، ما يعني عملياً تطيير زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبدئياً، والتي كان يأمل في قيادة دفة الإصلاح في لبنان ابتداءاً من مباركته التشكيل المفترض الذي كان مخطط أن يحضر كـ”ورقة ترحيب” بماكرون.
شيء من هذا القبيل سيسفر اقله عن سحب اليد الفرنسية من الملف الحكومي، ما يعني احالته إلى مزيد من الجمود، تمهيداً لاغراق البلاد بمزيد من المماحكات قد تفرض دخولاً فرنسياً مستجداً لكن على أساس الأرض المحروقة، التي يصلح فيها فرض الشروط والسير به.
حتى الآن، ما زال الفرنسيون يتمتعون بشيء من الدور، لكن ذلك، وإستناداً إلى رأي العارفين، لن يدوم طويلاً.
from وكالة نيوز https://ift.tt/2EoWvkB
via IFTTT
0 comments: